الجاحظ

85

المحاسن والأضداد

أمه فقالت : أنك تختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ فقال لها مروان : وما ترجين من مروان ؟ قالت : عظم فدائه . قال : وكم ترجين من فدائه ؟ قالت : مائة بعير . قال مروان : لك ذلك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف بن محلم ، قالت : ومن لي بالمائة فأخذ عودا من الأرض وقال : هذا لك ، فمضت به إلى عوف فاستجار بخماعة ابنته فبعثت به إلى عوف ، ثم أن عمرو بن هند بعث إلى عوف أن يأتيه بمروان ، وكان واجدا عليه في شيء ، فقال عوف لرسوله : إن خماعة ابنتي قد اجارته ، فقال : إن الملك قد آلى أن يعفو عنه أو يضع كفه في كفه ، فقال عوف : يفضل ذلك على أن تكون كفي بين أيديهما ، فأجابه عمرو إلى ذلك ، فجاء عوف بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده ووضع يده بين أيديهما فعفا عنه . ومنهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر ، وكان من وفائه أن النعمان ركب في يوم بؤسه ، وكان له يومان يوم بؤس ويوم نعيم لم يلقه أحد في يوم بؤسه إلّا قتله ولا في يوم نعيمه إلّا أحياه وحباه وأعطاه ، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابي من طيء ، فقال : حيا اللّه الملك ، لي صبية وصغار لم أوص بهم أحدا فإن رأى الملك أن يأذن لي في اتيانهم وأعطيه عهد اللّه أن أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي بين يديه ، فرق له النعمان وقال له : لا إلّا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم تأت قتلناه ، وكان مع النعمان شريك بن عمرو بن شراحبيل فنظر إليه الطائي وقال : يا شريك ابن عمرو * هل من الموت محاله يا أخا كل مضاف * يا أخا من لا اخاله يا أخا النعمان فك * اليوم عن شيخ غلاله ابن شيبان قتيل * اصلح اللّه فعاله فقال شريك : هو علي اصلح اللّه الملك ، فمضى الطائي وأجل له أجلا يأتي فيه ، فلما كان ذلك اليوم أحضر النعمان شريكا وجعل يقول له : إن صدر هذا اليوم قد ولّى وشريك يقول : ليس لك عليّ سبيل حتى نمسي فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك فقال شريك : ليس لك